محمد فاروق النبهان
224
المدخل إلى علوم القرآن الكريم
ثالثا : الإعجاز بالأسلوب : وهذا النوع من الإعجاز يتمثل بالفصاحة وغرابة الأسلوب ، والسلامة ، من جميع العيوب ، ونقل كل من الزركشي والسيوطي هذا الرأي عن الإمام فخر الدين الرازي صاحب مفاتيح الغيب ، وهذا الرأي قريب من رأي الباقلاني وابن عطية ، ونقل الزركشي عن ابن الحسن حازم القرطاجني صاحب منهاج البلغاء أن الإعجاز فيه من حيث استمرت الفصاحة والبلاغة فيه من جميع أنحائها في جميعه استمرارا لا توجد له فترة ، ولا يقدر عليه أحد من البشر ، وكلام العرب ومن تكلم بلغتهم لا تستمر الفصاحة والبلاغة في جميع أنحائها في العالي منه إلا في الشيء اليسير المحدود ، ثم تعرض الفترات الإنسانية فتقطع طيب الكلام ورونقه ، فلا تستمر لذلك الفصاحة في جميعه . . وقال « الخطابي » في كتابه بيان إعجاز القرآن : أن وجه الإعجاز فيه من جهة البلاغة ، « لكن لما صعب عليهم تفصيلها صغوا فيه إلى حكم الذوق والقبول عند النفس . . وإنما تعذر على البشر الإتيان بمثله لأمور ، منها أن علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية وأوضاعها التي هي ظروف المعاني والحوامل ، ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ . . وإنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة ، لفظ حامل ، ومعنى به قائم ، ورباط لهما ناظم ، وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة حتى لا ترى شيئا منه الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه ، ولا ترى نظما أحسن تأليفا وأشد تلاؤما وتشاكلا من نظمه ، وأما معانيه فكل ذي لب يشهد له بالتقديم في أبوابه والرقي في أعلى درجاته . . فخرج من هذا أن القرآن إنما صار معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف ، مضمنا أصح المعاني ، من توحيد اللّه تعالى وتنزيهه في صفاته ، ودعاء إلى طاعته ، وبيان لطريق عبادته في تحليل وتحريم وحظر وإباحة ومن وعظ وتقويم ، وأمر بمعروف ونهي عن منكر ، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق وزجر عن مساويها ، واضعا كل شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه ، ولا يتوهم في صورة العقل أمر أليق به منه » « 1 » .
--> ( 1 ) انظر البرهان ، ج 2 ، ص 103 .